شخصياً أعتقد أن أهم أهداف الكتابة هو التواصل مع الآخرين، الوصول للقراء لإيصال رسالة ما، أو الكتابة عن شيء ما يهمهم ويشغلهم.
بالتأكيد أحب أن أكتب لنفسي، لكن ما أكتبه لنفسي أحتفظ به لنفسي، بينما التواصل مع الجمهور عالم آخر له اعتباراته.
من أجل ذلك وحتى تتواصل بفاعلية مع جمهورك، عليك أن تنطلق من فهمهم أولاً:
قبل أن تبدأ في الكتابة، يجب أن تسأل نفسك: من هم قرائي؟ هل هم جمهور متخصص أم عام؟ من أي فئة عمرية؟ لأي ثقافة ينتمون؟ ما هي اهتماماتهم الشخصية؟
معرفة الفئة العمرية، الخلفية التعليمية، والاهتمامات الشخصية للقارئ تساعد الكاتب في صياغة
محتوى يتناسب مع مستوى فهم القارئ واحتياجاته.
وفي هذه الحالة ستتمكن من استخدام اللغة المناسبة للهدف ومناسبة للشريحة التي تستهدفها.
مثال:
في كتابه "الإسلام بين الشرق والغرب"، يأخذنا علي عزت بيغوفيتش في رحلة فكرية عميقة عبر عوالم الفلسفة والدين. يبدأ بتصوير عالم منقسم بين مادية الغرب وروحانية الشرق، ثم يقدم الإسلام جسراً يربط بين هذين العالمين المتباعدين.
يرسم بيغوفيتش صورة للإنسان في الإسلام كمخلوق متكامل، يجمع بين روح تتوق للسمو ومادة ترتبط بالأرض. يتنقل بنا بين أروقة الفكر الغربي والشرقي، ملقيًا الضوء على قصور كل منهما في فهم الطبيعة الإنسانية الحقيقية.
ثم نجد أنفسنا نتأمل في الأيديولوجيات الحديثة، من ماركسية ورأسمالية، ونرى كيف تعجز عن تلبية احتياجات الإنسان الروحية والمادية معًا. وفي خضم هذا كله، يبرز الإسلام كنموذج فريد
ويختتم بيغوفيتش رحلته بدعوة للتوازن، مقدمًا رؤية للعالم تستلهم من الإسلام قدرته على الجمع بين ما يبدو متناقضًا، وتحقيق التناغم بين متطلبات الروح وضرورات الحياة المادية.
يجب أن يشعر القارئ أنه معني بالنص. يمكنك أن توجه الأسئلة للقارئ، أوتستخدم ضمائر المخاطب لتجعل النص أكثر شخصية. هذا يخلق تواصلاً مباشراً بينك وبين القارئ ويزيد من تفاعل القراء مع ما تقدمه.
ذات الأمر نلحظه في مقالات غسان كنفاني ونصوص محمود درويش:
ففي كتاباتهما الصحفية، خاطب كنفاني ودرويش جمهورًا واسعًا مهتمًا بالقضية الفلسطينية. استخدما لغة قوية، وركزا على قضايا الهوية والنضال، مما جعل كتاباتهما تلامس مشاعر القراء وتحفزهم.
أما في الروايات فنجد رواية : موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح أنه قد راعى جمهوره المثقف والمهتم بقضايا الهوية والصراع الثقافي. وقد استخدم الصالح لغة أدبية راقية تناسب هذا الجمهور.
أتذكر أيضاً رواية "ساق البامبو" لسعود السنعوسي:
ففي هذه الرواية، يراعي السنعوسي جمهورًا خليجيًا وعربيًا واسعًا. يتناول قضايا الهوية والانتماء بأسلوب سردي سلس، ويستخدم لغة تجمع بين الفصحى والعامية بشكل يناسب موضوع الرواية وشخصياتها.
ذلك على سبيل المثال لا الحصر، الأمر الذي يتطلب من كل كاتب أن يتنبه لجمهوره حين يضع حجر الأساس في نصوصه، لأن ذلك كله ينعكس على اللغة والأسلوب وطريقة العرض.
لاشك أنك ككاتب تحب أن تكتب لنفسك، لكن يمكنك أن تمزج ذلك بما يحبه جمهورك وتخرج بقيمة فريدة.
كتابة موفقة.
نور الجندلي
أخبرنا عن رأيك في التعليقات!