عندما أهديت بغداد ياسميناً دمشقياً

كيف استطعت تحويل أحد التحديات الكتابية الصعبة إلى عمل إبداعي

كأي كاتبة كنت أعمل على كتابة مجموعاتي القصصية، وأكتب في - منطقة الراحة- ما أفكر به من خلال حدود عالمي، عندما حصلت لي تلك الهزة العنيفة يوم أحداث العراق، وبدأ النزوح من بغداد إلى دمشق التي استقبل أهلها الوافدين بترحيب وحب، كانت أفكار كثيرة تجول في خاطري عن ما يحدث، أخبار الموت والرعب وأعداد الأطفال الأيتام، وقصص الخيبة والخذلان، الأمر الذي دفعني للبحث ضمن تلك العاصفة عن قصة وسط حالة الدمار النفسي والمعنوي، وكانت النتيجة أنني أعلنت الفشل، وقررت ألا أخوض مغامرة متعبة إلى هذا الحد.

لكنني ومن جانب آخر كنت أعشق بغداد منذ طفولتي، وكثيرا ما حدثت نفسي بزيارتها عندما أكبر، كان صعباً عليّ أن أتقبل فكرة انهيار تتعرض له هذه العاصفة الساحرة ذات التاريخ الآسر، ولكن كان العائق الأساسي هو كيف سأكتب عن عاصمة لم أزرها، وشعب لم أحتك به إلا لماماً.

وهنا ظهرت شخصية نور المتحدية، وشعرت وكأنها تحدق بي في غضب وتقول: إن لم تكتبي في مرحلة كهذه فمتى ستكتبين؟

تحولت طريقة تفكيري لمواجهة ذلك التحدي، وقررت أن أخوض مرحلة جديدة في التعلم، وبدأت أبحث عن بغداد وكأنني أتعرف إليها للمرة الأولى، قررت أن أضيع في تفاصيل تلك المدينة وأحاول التجوال عبر الإنترنت في صورها وشوارعها وأسماء الأحياء والتوزع السكاني وأفضل الوجبات والمهن وطباع أهلها، حتى تشكلت لدي فكرة كافية كي أبدأ، وبدأت فعلاً أنسج قصة طارق البغدادي الذي قدم مع أسرته إلى دمشق ليواجه تحديات جديدة صعبة، في اللحظات التي كانت فيها مدينته بغداد تواجه مرحلة عسيرة مع البقاء.

أذكر أنني بكيتُ كثيراً في مرحلة التعلم تلك، فالتجوال في صفحات الأخبار حين تسرد مأساة ما مؤلم، وأكثر من ذلك ألماً هو المحاولة لاستخلاص عبرة تتحول إلى رواية من خلال شخصياتها.

لم أكن أدرك أن رحلة التعلم قد تكون صعبة إلى هذا الحد، ولكن عندما أصبحت النسخة جاهزة للطباعة بدأت أستشعر قيمة ما تعبت لتحقيقه.

لقد حصلت على كنز الإدراك والتعمق في قضية إنسانية تستحق الوقوف إلى جانبها، وقدمت للمكتبة العربية تجربة جديدة كان يجب أن تحضر لتسد الفراغ الحاصل.

كان عليّ أن أتعلم هدة أمور ساعدني فهمها وإدراكها على الوصول إلى النتيجة النهائية:

- أن أعتبر التحديات التي تواجهني في الكتابة فرصة للتعلم واختبار قدراتي في الكتابة وتطويرها.

أن الكتابة ليست مجرد سرد للأفكار بل تتطلب البحث والتفكير والاكتشاف.

وبأن الكتابة مسؤولية تتطلب أخذها بجدية كي تولد الإبداع.

وأخيراً فإن القيمة النهائية تكمن في التجربة والمحاولة، فهي ليست مجرد إصدار كتاب أو رواية أو نص، بل هي رحلة تعلم وتطوير شخصي وهذا أهم كنز لأنه يدفعه ليكرر المحاولة بخبرات أكثر قيمة وشمولاً.

أخبرنا عن رأيك في التعليقات!

مشاركة